ابن الجوزي
168
بستان الواعظين ورياض السامعين
وإلى متى تهوى الذي هو هلكها * وإلى متى لا تنثني وتعود ؟ اللّه اللّه يا أعراض المنية ، ويا أبواب البلية ، ويا معادن الرزية . أفيقوا من هذا الوسن ، قبل أن تزوّدوا من أموالكم بحنوط وكفن . إذا تبرأ منكم الحبيب ، وأنكر معرفتكم القريب ، وصار كل واحد منكم كأنه أجنبي وغريب . وأنشدوا : الموت باب وكلّ الناس داخله * فليت شعري بعد الباب ما الدار ؟ الدار دار نعيم إن عملت بما * يرضي الإله وإن خالفت فالنار [ 286 ] المثابرة يا أخي باللّه عليك لو أتاك الحمام ولك ملك الدنيا أما كنت تختار عيش يوم بالجميع ؟ فبادر ما دمت في فسحة من العمر ، قبل أن يضيق عليك الأمر ، لو صيح بك الليلة أجب الداعي أما كنت نادما على ما قدمت ، وباكيا على ما فرطت ؟ وأنشدوا : الموت بحر طامح موجه * تذهب فيه حيلة السابح يا نفس إني قائل فاسمعي * مقالة من مشفق ناصح ما يعجب الإنسان في قبره * مثل التقى والعمل الصالح فاللّه اللّه عباد اللّه استعدوا للموت ، فكأنه قد نزل بكم فأرمل النسوان وأيتم الولدان ، وفرق الإخوان ، فو اللّه يا أيها الإنسان وإنما أنا وأنتم ذلك الإنسان ، لو لم يكن ماء ولا ظلال ، ولا جواب ولا سؤال ، ولا نعيم ولا ثواب ، ولا جحيم ولا عقاب ، لكان في الموت وسكرته ، والقبر وظلمته ، واللحد وضغطته ، ما يمنع العاقل اللبيب عن كسب الخطايا والذنوب فكيف ومن وراء ذلك هول مهول ، وشرح يطول ، من الصور ونفخته ، والنشور وروعته والصراط ورقته ، ومساءلة اللّه تعالى للعبد وتوبيخه . فما يكون جوابك أيها المغرور ، إذا وقفت بين يدي العالم الغفور ، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ؟ فأظهر لك قبائحك ، ونشر لك فضائحك ، واستشهد عليك جوارحك ، فإن عفا عنك فأنت من الفائزين ، وإن طالبك بما قدمت يداك فأنت من الخاسرين . عفا اللّه عنا أجمعين ، وغفر لنا ذنوبنا فهو خير الغافرين آمين رب العالمين . وأنشدوا : من كان يرجو أن يعيش فإنني * أصبحت أرجو أن أموت فأعتقا